مؤسسة الشهداء

Martyrs Foundation

العودة إلى سِيَر الشهداء
الشهيد عبد الصاحب دخيل
شهيد الوطن
مؤسسة الشهداء

الشهيد عبد الصاحب دخيل

عبد الصاحب دخيل واحد من شهداء الحرية، ومن أبرز شموع العراق لكنه الشهيد الأكثر ولعاً بمبدأه ولشدة إيمانه بعقيدته وبأهدافها العليا فقد كانت حياته سفراً مهيباً من تاريخ لا يصنعه إلا من تتساوى عنده الحياة والحرية. فهو قبل أن يودع الحياة ليمضي إلى ربه شهيداً كان قد ودع قبل ذلك نصيبه من الدنيا ليكرس حياته كلها لفكره الذي آمن به إلى الحد الذي تحدى فيه زعماء الجلادين في مديرية الأمن العامة أن يقدروا على إنتزاعها من صدره، وكرر هذا التحدي وهو رهن الإعتقال. وقد إنحاز الشهيد إلى الموقف الصعب لأنه يؤمن بأن الحياد السهل خيانة للضمير وإنتهاك للحق وإعتراف بالظلم، فاختار طريقاً مثقلة بالمعاناة والألم ودخل الصراع مع أشرس سلطة دموية، وأراد بذلك أن يقود الأمل الذي كاد أن يضيع تحت وطأة الهجمة الدموية التي كان يقودها النظام البعثي المباد في العراق. وكان الشهيد يؤمن بأن الأمة التي لا تنجب القرابين هي أمة متقاعسة وبذلك أصبح في أول الطليعة وأشد المتفانين. كان الشهيد قدوة في كل شيء وبالأخص في تحمل التعذيب حيث كان أسطورة والإقتداء بالأسطورة شيء مستحيل. الصفحة 37 - نسبه ونشأته في النجف الأشرف آل دخيل بتشديد الياء وكسرها أسرة عريقة تتصل بواحدة من أمهات القبائل العربية الأصيلة وهي قبيلة (عنزة) سكنت هذه الأسرة الكريمة النجف الأشرف حيث مرقد الإمام علي عليه السلام ومنذ أكثر من 300 عام وكان لآل دخيل مكانة واضحة سواء على الصعيد العلمي أم الاجتماعي. ولد الشهيد عبد الصاحب دخيل عام 1930 في النجف الأشرف في فترة مثقلة بالأحداث الساخنة والتطورات المهمة التي إجتاحت العراق والنجف الأشرف معروفة بما شكلته في التاريخ من حاضرة علمية رائدة ومعقلاً جهادياً يتحكم بقرار الثورة ويتحكم بتفاصيل الموقف السياسي إزاء الأحداث التي مر بها العراق. في أزقة محلة العمارة في الجانب الغربي من مرقد الإمام علي عليه السلام ولد الشهيد عن أب عرف بشجاعته ومواقفه الأدبية والتزامه الديني ونفسه الكريمة وهو الحاج حسن بن الحاج علي دخيل. ترعرع عبد الصاحب دخيل في بيت والده الحاج حسين الذي يعود ليلاً من عمله ليقاسم أرباح النهار في مهنة التجارة كل من يرد على ذاكرته من المعوزين المحتاجين، ثم يعزل قسماً مما تبقى لإقامة الشعائر وإحياء الذكر الحسيني. عبد الصاحب نشأ في هذا البيت الحسيني وترعرع في أجواء المناسبات المستمرة لإحياء ذكرى الشهادة، فكان حسينياً من بداية طفولته، فيما تدفعه روحه الحسينية إلى التفكير العميق لنقل هذه المراسم إلى مستوى الموقف السياسي الذي يراد له تصحيح الأوضاع السائدة. والشهيد عبد الصاحب دخيل كان أحد طلبة العلوم الدينية وشارف على طي أغلب المراحل الدراسية التي يمر بها الطلبة في نظام الحوزة العلمي، وإلى جانب ذلك كان مثقفاً مجاهداً وثائراً عنيداً وكاسباً متواضعاً وحسينياً مضحياً، شعر بالمسؤولية وتحملها ونهض بواجبه فأداه على أحسن وجه فكانت حياته نموذجاً فريداً للنهضة. لقد أخذ الشهيد من مدينته العلم والثقافة والأدب والشجاعة وتحمل المسؤولية والدور، وأعطاها حياته وفاءً وإخلاصاً على طريق الرسالة التي نهضت بها النجف الأشرف، فهو لم يكن نموذجاً فريداً للمتدين الواعي فحسب، إنما كان مبادراً ومضحياً عندما تبدو المبادرة صعبة والتضحية غير سهلة، وكان وثيقاً الصفحة 38 - أسلوبه التبليغي ودراسته من خيار يوم كان البلد مطوقاً بالأفكار المنحرفة ومحاصراً من قبل السلطة. ورغم أنه إبن الحوزة العلمية، فإنه لم يتحرك بطريقة الحوزة المألوفة، فقد اختار أن يكون جندياً للحوزة وذراعاً للمرجعية، ولكن بطريقة تحتاج إلى كثير من من الصبر والثبات والجرأة وإقتحام المخاطر، وبروح التفكير المنفتح النير والمتكيف مع أشد الظروف وأقساها، فاستحدث أساليباً ناجحة في بث الوعي، وبدأ من المراسم الحسينية ولم يتوقف عند الإحتفالات وإنشاء المكتبات واجتماع العلماء في الكاظمية والجمعيات الخيرية ومواكب الطلبة والتنظيمات الإسلامية الواسعة، وحملة التثقيف الكبرى التي قادها بعقله وجهده وسهره. والشهيد هو من الطليعة الأولى في العمل الرسالي وداعية من الطراز الأول، وكان إنساناً يحمل كل صفات الفضيلة وكانت صلابته التي عرف بها مقرونة بأخلاق فريدة جعلت من علاقاته الاجتماعية مفتوحة على كل الأوساط، وتجاوزت التعبئة والتوعية الإسلامية التي كانت ظاهرة بارزة قبل إستشهاده، للتوسع بكل إتجاهات المجتمع وشرائحه، وقد وصفه رفاق دربه وأصدقاءه وممن عرفه عن قرب بقوة جذب عجيبة بحيث لا يتحدث مع إنسان إلا وكان بعد ذلك إما عضواً في التنظيم الإسلامي أو صديقاً دائماً للشهيد.. ولا توجد منطقة في العراق تخلو من أصدقاء للشهيد عبد الصاحب دخيل. دراسته ونشاطاته حينما بلغ الشهيد السن التي تؤهله للإنخراط في المدرسة كانت في النجف آنذاك مدرسة أهلية مسماة بمدرسة (الغري) وهي إبتدائية، ولم توجد بعد مدرسة متوسطة حينما دخلها الشهيد. وحينما أكمل الإبتدائية كانت هناك مرحلة متوسطة قد بدأت تستقبل الطلبة الذين أنهوا الدراسة الإبتدائية لكن والد الشهيد الحاج حسين دخيل فضل أن ينخرط ولده في مدرسة (منتدى النشر) لأسباب وصفها أخو الشهيد الحاج عبد الرؤوف بأنها تعود إلى رغبة الوالد في تتلمذ ولده على أيدي أساتذة أكفاء ممن عرفوا على صعيد الحوزة العلمية. الصفحة 39 - شهادات معاصريه في منتدى النشر يقول الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم عن الشهيد عبد الصاحب دخيل: (كان يشارك في كل ما يصب في نشاطات النهضة نفقد إنضم إلى ندوة منتدى النشر وكان يصدر مجلة تسمى (البدر) ووجدت له قصص كثيرة. ومارس الشعر الشعبي وكان بين فترة وأخرى يطل علينا بمجموعة أبيات شعرية أو قصيدة، وغالباً ما يعالج فيها قضايا اجتماعية وهذا النوع من التفكير لدى شاب يعتبر ظاهرة فريدة، وشيء آخر كان أبو عصام يمتاز به عن أقرانه هو التفكير في مشاريع عامة لخدمة المجتمع). كان أبو عصام أشبه ما يكون بكتلة من الأفكار التغييرية التي تبحث عن متنفس للتطبيق على الرغم من صغر سنه. ويقول عنه زميله السيد حسن شبر: (تعرفت على الشهيد عام 1934 عندما انتسبت إلى منتدى النشر في النجف الأشرف كطالب في الصف الأول المتوسط وكان الشهيد زميلي في الدراسة ولعدة سنوات سواء في منتدى النشر أو في الدراسة الحوزوية وتوطدت بيننا الصداقة فكنا نحضر سوية ولا نكاد نفترق، وكان الشهيد جيد الحفظ والذاكرة واستطاع في فترة قصيرة أن يدرس أكثر أبواب الفقه وأصوله بإمعان وكذلك المنطق وعلوم العربية ثم درس شيئاً من الفلسفة وعلم الكلام وكان وهو صغير يناقش أساتذته العلماء وكان واحداً منهم. كان رضوان الله عليه كثير الكتابة، وكتب ذات مرة عن صلح الإمام الحسن (ع) بحثاً موسعاً جداً وكنت حاضراً عندما قرأه على أستاذه فقال له الأستاذ إني أرجح أن نطبع هذا البحث، وأعتقد أن هذا البحث وغيره من آثار قد نهبت من قبل السلطة المجرمة). لقد كان الشهيد من أبرز الطلبة المتحركين والعاملين في منتدى النشر وكان آنذاك لا يتجاوز عمره الخمس عشرة سنة حيث يفكر بطريقة لا تتناسب مع عمره وتراه يحمل هموماً تتجاوز محيطه وبيئته فيفكر بالعراق والأمة. وكان متفوقاً في الدراسة ومن أساتذته يؤكد إعتزازه بأستاذين من أساتذته الكثر وهما الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد صادق القاموسي وكذلك أساتذته يعتزون به وخاصة الشيخ المظفر. يقول الحاج عبد الرؤوف: (إن العلاقة التي انعقدت بين الأستاذ وطالبه كانت الصفحة 40 - مكانته عند الشيخ المظفر وحزب الدعوة قوية جداً لدرجة أنه عندما وضع حجر الأساس لبناية منتدى النشر الحديثة إلى جوار الصحن الشريف، كانت قد وضعت مجموعة من صور أساتذة المنتدى، وقد وضع الشيخ المظفر صورة عبد الصاحب دخيل ضمن صور الأساتذة). وهذا يكشف عن مدى مكانة الشهيد عند أستاذه، وتوضح إن تعامل الشيخ المظفر مع الشهيد كان بمستوى الأستاذ، فالشهيد باحث ومحاضر وخطيب ومن أكثر الطلبة مناقشة، إضافة إلى أنه كان يدرك طموحات أستاذه فيتحرك قبل أن يطلب منه ذلك، وللشهيد مساهمات كبيرة في دعم منتدى النشر على مستوى مدينة النجف الأشرف. أنجز الشهيد تحصيله العلمي في منتدى النشر وقطع مرحلة مهمة من مراحل الدراسة الحوزوية، وكان لا يكتفي بالدراسة المقررة إنما يطلع على المزيد، فمرة يحضر دروس بعض العلماء، ومرة يواصل قراءته للجديد من الكتب والمجلات، مما جعل أفق وعيه واسعاً، ومحيطاً بالظروف في العراق وخارجه آنذاك وقد حظي بإحترام وتقدير الوسط العلمائي في النجف الأشرف. وكان للشهيد نظرته الخاصة إلى الحوزة وقد وضع تصوراته أمام رفاق دربه وكان يرى (أن الحوزة العلمية هي المجال الأول المكلف برعاية الإسلام وحفظه ورعاية الأمة وتغييرها). كان يهتم بأن تتوجه طاقات شابة إلى هذه المؤسسة، وقد كلف الكثير من تلامذته البارزين في الجامعة بعد تخرجهم للإنخراط في الحوزة العلمية؛ ومنهم من لبى الطلب ومنهم من لم تسعفه الظروف السائدة آنذاك. الشهيد وحزب الدعوة الإسلامية لم يكن حزب الدعوة الإسلامية هو الولادة الوحيدة في الساحة العراقية فقد سبقته أحزاب كثيرة ولحقته أحزاب أكثر، لكن حزب الدعوة هو الوحيد الذي استطاع أن يتجذر وينمو ويمتد ويقاوم كل هذه السنين الطويلة. وقبل انبثاق حزب الدعوة لم تكن الساحة خالية من الأفكار والتطلعات والنشاطات والمتحمسين؛ وقد اتجه الشهيد عبد الصاحب في تلك الفترة نحو المواكب الحسينية التي يقيمها أصحاب المحلات في النجف، فكان يحضر هذه المجالس

سيرة الشهيد

سيتم إضافة سيرة الشهيد قريباً.