العودة إلى سِيَر الشهداء
شهيد الوطن
مؤسسة الشهداء
أمل عباس شوكت الربيعي
هي عروس من عرائس الشهادة وهي المرأة الوحيدة التي توسمت وسام الشهادة في منطقة الزوية في الكرادة الشرقية ببغداد وهي اكبر ابناء عائلتها المكونة من اربع بنات وولدين.كانت الابنة البكر لوالدين طيبين وقد كان لامها السيدة أمينة اثراً كبيراً في نشأتها على الايمان والتقوى فهذه الام الحنونة وعلى الرغم من انها لم تدخل المدرسة الا انها كانت امرأة تفيض عطاءا وايمانا فعندمااعتقل الشيخ الشهيدعارف البصري إمام مسجدالزوية في منطقة الكرادةالشرقية ورفاقه الشهداء(قبضةالهدى)،دأبت على زيارةالامامين الكاظمين كل يوم سبت وهي صائمة تطلب من الله سبحانه بحق هذين الامامين ان يفرج عنه وعن رفاقه وكان تتواصل مع جيرانها وتقدم لهم المساعدة والعون ... هذه الصور التي عاشتها الشهيدة امل لحظة بلحظة مع والدتها واسرتها كانت قد هيأتها للتعرف على ملامح ادوارها المستقبلية واكسبها جلدا وقوة في تفقد الاخرين ومواساتهم .
وقد شغفت بمطالعة الكتب الدينية لتروي ظمأها وتتزود بما يقوي ايمانها ولا سيما قصص الشهيدة بنت الهدى(قدس سرها) والتي كان لها الفضل الكبير في تجذر مبادىء الاسلام في نفسها، كانت أمل تجلس على مقربة من والدتها لتقرأ لها مايشبع ظمأها من هذه الكتب ويؤنس روحها من تراتيل الأدعية، فقد كانت هناك علاقة روحية حميمة تربط أمل بوالدتها فقد كانتا صديقتين حميمتينوكانت الامل كلما تطلعت الى ابنتها يراودها احساس بأن أمل ستمضي شهيدة يوما ما.
درست امل دراستها الابتدائية في مدرسة التضامن في الكرادة الشرقية اما دراستها الإعدادية ففي مدرسة الهدى للبنات وقد لاقت الكثير من الاذى والمضايقة من مديرة تلك الاعدادية راجحة الاسود التي كانت بدرجة بعثية كبيرة وتحارب التدين والحجاب لكن ذلك لم يعيق امل من مواصلة دراستها فحصلت على شهادة الاعدادية وقبلت في معهد الزراعة وبعد سنتين تخرجت وعينت موظفة في معمل التمور في كربلاء .
بعد تنفيذ حكم الإعدام بالسيد الشهيد الصدرالاول(قدس سره) وأخته العلوية بنت الهدى(طيب ثراها)، أدركت أمل حجم المسؤولية التي تنتظرها في الدفاع عن العقيدة او المبدأ الذي تبنته، فانتمت إلى حزب الدعوة الاسلامية وأصبحت تعمل مع الشهيدة فاطمة الحسيني فهي مسؤولة الخط النسوي في الكرادة الشرقية واوكلت لها مهمات جمّة، فلم تأل جهدا بعملها ولو على حساب راحتها، وقد وصل بها الأمر يوما أن تأوي أحد المجاهدين وعائلته في بيت أهلها اسبوعا كاملاً عندما ضاقت عليه السبل وتنكرّ له أقرب الناس، وفي هذة الفترة خطبت أمل للشهيد صباح علي طابو من مدينة الصدر، الطالب في احد الاقسام الهندسية الجامعة التكنلوجية وأحد النشطاء في حزب الدعوة الأسلامية ولم تدم الفرحة في نفس أمل طويلاً فلم يمر اسبوع على خطبتها حتى اعتقل صباح، الذي كان مجاهداً شجاعاً رفض البعث فكراً ومنهجاً وسلوكاً شوفينياً فهو من شجاعته اقدم وعدد من رفاقه المؤمنين على ضرب ضابط أمن الجامعة التكنولوجية لتأديبه على تماديه من ملاحقة الشباب وكتابة التقاريرحل الحبيب سريعا فشعرت بان عليها ان تواصل دربها الجهادي وهكذا كانت مجاهدة بكل معنى الكلمة تراها في كل سوح الجهاد الى أن اعتقلت في يوم 10/1/1982 واقتيدت الى مديرية أمن الثورة، ومن اليوم الأول لاعتقالها قال لها احد ازلام النظام واسمه علي الخاقاني(سأحكمك بالاعدام ), وايقنت أمل أن نهايتها الاعدام فاستبشرت بالشهادة وزغرد قلبها لها فرحا فصمدت أمل امام وابل التعذيب الوحشي الذي لاقته من جلادي دائرة امن الثورة والتي تحول اسمها الى(امن صدام) لكن كل ممارساتهم ووحشيتهم لم تنل من صبر وثبات أمل لدرجة اذهلتهم، فأنى لهذه الشابة اليافعة من الصمود الذي يقاوم آلات التنكيل والتعذيب في زنازين البعث والتي عرفت بانها فاقت شراسة الوحوش،وقداعتقلت معها اختها سندس التي تصغرها بعام واحد فقط واخاها حسين ابن السبعةعشرربيعاً وخالها باقروعمتها فاطمة شوكة(ام حسين) التي جاوزعمرها الاربعين عاماً.بعدها تم توقيفها لمدة ستة أشهر قضتها بين صلاة ودعاء وصوم وتسبيح سيقت أمل الى محكمة الثورة مع مجموعة من رفيقاتها في يوم 25/7/1982وحكم عليها بالإعدام شنقا حتى الموت ثم نقلت الى سجن الرشاد لتقضي شهرين في غرفة المحكومات بالاعدام وفي يوم 24/9/1982 جاء ضابط الامن وبرفقة احدى السجانات ليأخذها مع الشهيدة عواطف وفاطمة ودعنا أمل وعواطف وفاطمة الى الإعدام في عرس من أعراس الشهادة التي تقام في سجن الرشاد وهناك في قاعة الإعدام في أبي غريب، رأت أمل للشهادة عرسا من اعراس الشهادة اقيم في الساعة السادسة مساءا وعند غروب الشمس، رأت عشرات الشباب الذين ينتظرون موعد الرحيل الى الجنان، وهناك طلبت أمل من جلاديها رؤية خالها الذي سيعدم في هذا اليوم فاستجابو لها وسرعان ماانهمرت دموعها لما التقته بعد العذاب الذي تعرض له وحاول الخال ان يخفف عنها فقال (اصبري ياأمل فنحن شهداء عند الله) وودعته أمل بعد لقاء مرّعلى عجالة، وراحت ترقب كل شيء من زجاج زنزانتها في انتظار دورها الى حبل المشنقة .. كان سيل المنتظرين والمنتظرات للاعدام صائمين في ذكر ودعاء فمنهم من يقرأ القرآن وآخرون يقرأون زيارة عاشوراء، ومجموعة ثالثة مستبشرة تنشد ياحسين بضمايرنا، ولهم دوي كدوي النحل فالكل منشغل بمراسيم يؤديها قبل الموت الذي سيبتلعهم بعد قليل، وحانت ساعة الإعدام واصطف العشرات من الاحرار يرتقون سلم الموت، وتساقطت اجسادهم واحد تلو الآخر , فقد مرّ كل شيء أمامها في زمن كان قد توقف في رأسها اشبه بحلم أو كابوس.. وبعد لحظات سادها الصمت كأن لم يكن شيئأ يذكررأت أمل أمام عينيها كيف تسحب جثة خالها الذي كلمته قبل قليل ،كان ذلك قاسياً ومؤلماً في نفسها وبعد كل هذا المشهد الدامي عادت أمل إلى سجن الرشاد وقصّت لرفيقات دربها من السجينات وكذلك أختها سندس التي حكم عليها بالسجن المؤبد مارأت وما سمعت ،لقد كان دخولها الى سجن الرشاد والتقائها بالمحكومات لتروي مارات بام عينيها ولتنطق بالحق المدفون في زمن السكوت وكأن الله سبحانه جعلها مع الشهيدة عواطف سفيرتين ترويان حقيقة مايجري في تلك الاقبية التي تفوح منها رائحة الموت، وقد كان قد حدد يومي السبت والثلاثاء من كل اسبوع لتنفيذ احكام الاعدام الجائرة والمجازرالبشرية بحق خيرة شباب العراق وبناته . مكثت شهيدتنا في غرفة المحكومات بالاعدام مايقارب شهراً واحداً قضتها في صلاة صيام ، وفي يوم 5/10/1982 في يوم الغديرسيقت أمل الى ساحة الاعدام وكانت صائمة ..ودعتها السجينات بالدموع فقد عهدهوها نموذجا رائعا يقتدى به في ايمانها وهدوئها وخلقها الرفيع وتم تنفيذ حكم ألاعدام بها ظلما وجورا فطارت روحها الى ربها شاكية مظلوميتها شاكرة وسام الشهادة . كان الالم لرحيلها يعتصر قلوب السجينات اللائي كن معها فصلو على روحيهما صلاةالوحشة بين فريضتي المغرب والعشاء وقرأوا لها القران وبقي ذكرها نديا على الشفاه الذابلة .وبعد أيام تسلمت عائلة أمل جثتها بعد أن أخذوا منهم ثلاثين دينارا ثمن تسلمها!!، وكان مكتوبا على ثوبها((أنا شهيدة مع الحسين)) وعندما تم استلام جثمانها الطاهر كان بحالة سيئة فقد وجدوه منتفخاً مزرقاً حتى ان والدها اخذاه الى ارض النجف في مقبرة السلام وتفاجأت المغسّلة بما حدث لهذه الشابة البريئة وتعذر تغسيلها خوفاً على تفتت الجسد الطاهر لذلك لجأوا الى تيممها بدلاً عن الغسل!!.
كل هذه المأساة شهدتها امها الصابرة لكن ذلك لم يوهن ايمانها الراسخ فقد فرشت سجادة صلاتها وصلت ركعتين شكراً لله على نيل ابنتها الشهادة وضربت بذلك مثلاً قل نظيره للأم المؤمنة الصابرة المحتسبة التي ترضى بما كتب الله لها وتبذل كل غال ونفيس حتى لو كان ابنتها البكر قرة عينها كانت الام على يقين بان ابنتها على الحق وهي قد سارت في ركب الامام الحسين(ع).رحلت أمل ولم ترحل ذكراها في قلوب محبيها وبقي امل ثارها يموج في الذاكرة.
سيرة الشهيد
سيتم إضافة سيرة الشهيد قريباً.