العودة إلى سِيَر الشهداء
شهيد الوطن
مؤسسة الشهداء
الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر
عندما نقف على اعتاب شخصية فذة كالإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر تزدحم المشاعر وتتسابق الكلمات بكل ما فيها من زخم للتعبير عن معاني العظمة فيه ووصف ما قام من عطاء ثر.
إننا نجد أنفسنا أمام ظاهرة بعيدة المدى في آفاق فكرية وحضارية، ولسنا أمام فرد ولد في يوم معين وارتحل في يوم آخر، بل نواجه منظومة مشاريع كبيرة تجاوزت الحدود الزمانية والمكانية، وارتبطت بغاية مقدسة، فلم تأت إنجازاته الفكرية والعلمية كنتيجة طبيعية لما حباه الله من نبوغ وتفوق عقلي وروحي فحسب، بل كانت فعلاً مقصوداً له أملأه الواقع الرسالي واقتضاضاته حتى أنه اختار لنفسه العاقبة التي أراد، وودع الدنيا كما شاء، فلم يتحرك بصدفة ولم يسكن بصدفة.
والواقع أن كل الإنجازات العلمية والفكرية للشهيد الصدر هي معلولة للعمق المعرفي التخصصي الذي توفر عليه، فهو الحقل الأول الذي نمت وسطه بنيته العلمية، ففقه علوم الشريعة وإباحة سرها، فغلق بفكره الثاقب بحر الاستنباط، وانجبت له عين المعرفة، فنهل منها، وطفق يفيض من عذبها على رواد العلم وطلابه، فكان صدر الشريعة وملكها. إنه رجل المشاريع الكبرى راح ينظمها عقداً فعقداً، حتى إذا قرت عينه بما أنجز، شرع برسم مشروعه الأخير، وهو المشروع الجهادي والاستشهادي، فخطط لرحيله وصاغ منه منهجاً للثائرين، فأقدم على الشهادة في زمن قل فيه الناصر، وتحدى جلاد العراق وعصابته المتوحشة غير آبته بطغيانهم وغطرستهم فدخل الخلود من أوسع أبوابه، فكان رائداً للفكر، ومؤسساً ومنظراً، وقائداً جريئاً محنكاً، وبطلاً جسوراً، وشهيداً وشاهداً.
فليس بدعاً أن يتلهف أبناء الأمة إلى معرفة هذه الشخصية، كيف عاشت للرسالة وكيف أعطت للأمة.
لا يخفى على أحد علو المنزلة التي يحتلها الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر في قلوب الجماهير المسلمة في العصر الراهن؛ فقد كان بحق من القلة القليلة التي استنزلت أطروحاتها الفكرية والمعرفية وجسّدتها في عالم الواقع أروع تجسيد.
وإذا كان الظلم قد لف مفكراً الشهيد في حياته القصيرة بحسب مقياس الزمن، الطويلة بحسب مقياس الأثر، فهذا لا يعني أن ننكر هذا الظلم على كرسي سلطته وهيمنته، خاصة إذا كان من حق هذه الشخصية المرموقة أن تحتل موقعها المناسب ويتم تعريفها إلى العالم بآثارها وإنجازاتها.
محمد باقر بن السيد حيدر الصدر، هو مرجع ديني ومفكر وفيلسوف إسلامي ومؤسس حزب الدعوة الإسلامية بالعراق، ولد بمدينة الكاظمية يوم 25 ذو القعدة عام 1353هـ - 1933م وقد نشأ يتيماً منذ صغره فتتكفل به أخوه الأكبر السيد إسماعيل الصدر الذي اهتم بتعليمه وتدريسه أيضاً، وقد ظهرت علامات النبوغ والذكاء عليه منذ صغره.
لقد كان مولده مبعث فرحة عارمة اهتزت لها جوانب البيت الذي ضم السيد حيدر الصدر وكريمة آل ياسين، وقد مضى على أول وليد لهما السيد إسماعيل ثلاثة عشر عاماً.
وكانت والدة السيد الصدر في غاية السعادة وهي تحتضن وليدها الجديد، فقد كانت ظروف الحياة الصحية قاسية، فالأمراض والآفات تأخذ الكبير ولا تدع إلا القليل، فكانت ترقب وليدها وتدفع عنه النوائب التي حرمتها من أشقاء له في سالف الأيام، والخوف والقلق يشوب الأمل في نفسها، وكانت تقول: «ما كان يعيش لي من الأولاد إلا القليل»، فقد تجربتها قاسية جداً، فقدت من أولادها فقد أنجبت سبعة من بنين وسبع بنات، فقدت منهم خمسة أبناء وست بنات وكان السيد إسماعيل الصدر هو الحادي عشر من أولادها، ثم أنجبت بعده ولداً فاختاره الله تعالى إليه، ثم ولد السيد الصدر وبعده السيدة آمنة.
ويصف السيد محمد باقر الحكيم وضع العائلة آنذاك قائلاً: «أما الوضع الداخلي الصعب، فقد تمثل باليتم والفقر والفاقة الشديدة بالرغم من التراث العلمي والأسرة الكريمة والموقع الاجتماعي الخاص بالعم الأكبر»، وينقل الشيخ النعماني عن الحاج علي اعتماد أنه كان يرى السيد حيدر حاملاً السيد محمد باقر آتياً به إلى الحضرة (ضريح الإمام) كان الناظر إلى ذلك الصبي يكتشف فيه بسهولة رجولة قبل أوانها، ونضجاً مبكراً، لكنه في مقابل ذلك كان إلى جانب التوقد في ذهنه والنضج في مشاعره، كان كثير العلة في جسده، لا تبارحه الأسقام إلا قليلاً... إلا أن ذلك لم يكن يهد من إرادته، ولا يغير من عزائمه وخصائصه شيئاً.
أخواله:
1. الشيخ محمد رضا آل ياسين.
2. الشيخ راضي آل ياسين.
3. الشيخ مرتضى آل ياسين.
الهجرة إلى النجف الأشرف:
في عام 1356هـ هاجر أخوه إسماعيل الصدر إلى مدينة النجف الأشرف فاستأجرا داراً متواضعاً فيها، وقد كان أكبر همه هو استيعاب المناهج الدراسية والعلمية، وفي تلك الفترة ألف كتاباً يضم اعتراضاته على الكتب المنطقية بعنوان (رسالة في المنطق).
في أوائل السنة الثانية عشرة من عمره درس كتاب «معالم الأصول» على يد أخيه إسماعيل الصدر فكان لفرط ذكائه يعترض على صاحب المعالم باعتراضات وردت في كتاب كفاية الأصول للخراساني.
أساتذته:
1. الشيخ محمد رضا آل ياسين وهو خال الصدر وقد حضر عنده مرحلة البحث الخارج في صغره.
2. الشيخ ملا صدر البادكوبي وقد درس عنده الجزء الثاني من الكفاية والأسفار الأربعة.
3. الشيخ عباس الرميثي.
4. السيد أبو القاسم الخوئي وقد درس عنده مرحلة البحث الخارج وكان السيد أبو القاسم الخوئي أول من أجاز محمد باقر الصدر وقد كان يرجع طلابه إلى الصدر عند عدم فهمهم لبعض عناصر الدرس.
5. الشيخ محمد تقي الجواهري وقد درس عنده الجزء الأول من الكفاية وجزءاً من اللمعة.
6. السيد إسماعيل الصدر.
كانت بعض الكتب الدراسية يناقشها ويتباحث فيها مع أساتذته فقط أو أنه يعرض عليهم الدرس. قال الصدر عن نفسه: «إني لم أقلد أحداً منذ بلوغي سن الرشد»، وقد كان الصدر في تلك الفترة قد كتب تعليقة على الرسالة العملية لخاله الشيخ محمد رضا آل ياسين المسماة بـ«بلغة الراغبين».
من شواهد تواضع الصدر أن السيد كاظم الحائري قال: «حدثني ذات يوم: أنه حينما كتب فلسفتنا أراد طبعه باسم جماعة العلماء في النجف الأشرف بعد عرضه عليهم متنازلاً عن حقه في وضع اسمه الشريف على هذا الكتاب. إلا أن الذي منعه عن ذلك أن جماعة العلماء أرادوا وضع بعض التعديلات في هذا الكتاب وكانت تلك التعديلات غير صحيحة في رأي أستاذنا الصدر ولم يكن يقبل بإجرائها فيه فاضطر أن يطبعه باسمه».
كان للصدر مجلسان للتدريس:
1. بحث الأصول، وكان يلقيه في مسجد الجواهري بعد أذان المغرب بساعة في الأيام الدراسية في الأسبوع.
2. بحث الفقه، وكان يلقيه في جامع الطوسي في الساعة العاشرة صباح كل يوم من الأيام الدراسية.
مؤلفاته:
1. غاية الفكر في علم الأصول، وهو عشرة أجزاء طبع منه الجزء الخامس فقط وفقدت الأجزاء الأخرى.
2. فدك في التاريخ، وهو كتاب كتب فيه بعض الملاحظات عن تاريخ فدك في سن الحادية عشر.
3. فلسفتنا، وهو كتاب يناقش المذاهب الفلسفية التي كانت تنتشر في أوساط العراقيين.
4. اقتصادنا، وهو كتاب يتحدث عن الاقتصاد الإسلامي ويناقش فيه النظريات الاقتصادية مثل الرأسمالية وغيرها.
5. البنك اللاربوي في الإسلام.
6. المدرسة الإسلامية.
7. المعالم الجديدة للأصول.
8. الأسس المنطقية للاستقراء.
9. بحوث في شرح العروة الوثقى (أربعة أجزاء).
10. موجز أحكام الحج.
11. الفتاوى الواضحة.
12. دروس في علم الأصول (جزءان)، وهو كتاب يدرس كمنهج في علم الأصول في مرحلة السطوح.
13. بحث حول الولاية.
14. بحث حول المهدي، وهو مقدمة لموسوعة محمد محمد صادق الصدر عن الإمام المهدي.
15. تعليقة على رسالة بلغة الراغبين.
16. تعليقة على منهاج الصالحين.
17. الإسلام يقود الحياة، وهو عبارة عن بعض المواضيع الإسلامية.
18. المدرسة القرآنية، وهو عبارة عن محاضرات عن التفسير الموضوعي.
19. أهل البيت أدوار ووحدة هدف، وهو عبارة عن محاضرات جمعها بعض طلابه وطبعوها كتاباً.
للصدر كتب أخرى صادرتها السلطة، منها كتاب لم يحدد له عنواناً ولكن موضوعه هو أصول الدين.
استشهاده:
في مساء يوم 5 إبريل 1980 تم إعدامه مع أخته بنت الهدى بالرصاص بأمر من المجرم صدام حسين، وفي اليوم التاسع من نفس الشهر بحدود الساعة التاسعة ليلاً قطعت السلطة التيار الكهربائي عن مدينة النجف الأشرف وفي ظلام الليل الداهم تسللت مجموعة من قوات الأمن إلى بيت محمد صادق الصدر وطلبوا من مدير أمن النجف فقال له: هذه جنازة الصدر وأخته وقد تم إعدامهما وطلب منهما أن يذهب معهم للدفن وبعد أن طلب محمد صادق الصدر أن يرى جثمان محمد باقر الصدر مضرجاً بدمه وآثار التعذيب على كل مكان من وجهه وكذلك أخته بنت الهدى.
سيرة الشهيد
سيتم إضافة سيرة الشهيد قريباً.