العودة إلى سِيَر الشهداء
شهيد الوطن
مؤسسة الشهداء
الشهيد الشيخ عبد العزيز عبد اللطيف البدري
كان الشيخ الشهيد علماً من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة في العراق وواحداً من أكثر العلماء الساعين إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية تحت راية واحدة وفي سائر أرجاء الوطن العربي، وهو شخصية جهادية بارزة وقف في وجه الظلم والاستبداد، فأصبح بوقفته وثباته على الحق مناراً يُهتدى به ومثابة على طريق الدعوة إلى كلمة (لا إله إلا الله)، فعاش عالماً وخطيباً وكاتباً وداعية ومجاهداً في بلده ومشاركاً للقتال في فلسطين ضد الاحتلال صابراً شجاعاً، عاملاً بيده وبلسانه وبقلبه حتى قُتل صابراً تحت التعذيب.
ولد الشيخ عبد العزيز البدري في بغداد عام ١٩٣٠ ونشأ على تربية إسلامية رصينة، وتتلمذ على يد علماء بغداد منذ صغره وعلى رأسهم الشيخ أمجد الزهاوي والشيخ محمد فؤاد الألوسي والشيخ عبد القادر الخطيب والشيخ شاكر البدري الذين كانوا من أبرز وجوه بغداد العلمية الإسلامية آنذاك... وبعد اكتشاف مواهبه الخطابية ونبوغه في الفكر واللغة والتاريخ رشحه أستاذه لاعتلاء المنبر الإسلامي كخطيب وإمام جامع وهو دون العشرين من العمر آنذاك في العام ١٩٤٩ عندما عُين في مسجد السور في بغداد، واستمر على حمل أمانة المنبر حتى العام ١٩٥٤ عندما أدركت السلطة في العهد الملكي نشاطه وتأثيره في الناس، فعمدت إلى إبعاده إلى قرية نائية من قرى محافظة ديالى تدعى قرية حديد، فأصبح فيها إماماً وخطيباً لجامع القرية، وترك فيها أثره وخرّج منها أئمة وخطباء ودعاة صار لهم شأن في المجتمع العراقي.
تزوج الشهيد البدري من ابنة عمه المرحومة الحاجة مريم حسين وأنجب منها أربعة أولاد وأربع بنات هم (أحمد، محمود، سعد، عمر، آلاء، زهراء، أسماء، وعلياء). تصفه ابنته علياء بأنه كان أباً مثالياً ومربياً وفاضلاً عادلاً لا يفرق بين الولد والبنت، وكان يحثنا على أداء الصلاة في أوقاتها وبخاصة صلاة الفجر وكان يحرص على حضور صلاة الجمعة من كل أسبوع.
بعد سقوط الحكم الملكي في ١٤ تموز أصبح إماماً وخطيباً في جامع الحاج أمين من منطقة الكرخ في العام ١٩٥٩، وكان المد الشيوعي قد أخذ مأخذه، فتصدى للشيوعية جهاراً على المنبر فوضع تحت الإقامة الجبرية ولمدة سنة كاملة بين العامين (١٩٥٩/٢/٢١) وحتى صدور العفو العام عن السياسيين في (١٩٦١/١٢/٤).
وعندما تسلّط البعثيون على مقاليد السلطة بعد انقلابهم الأسود عام ١٩٦٣ في العراق، تصدى أيضاً بكل شجاعة لتوجيهات عبد السلام عارف ولسياسته آنذاك، فأُبعد من مدرسة التربية الإسلامية في منطقة الكرخ التي كان مدرساً فيها بعد أن فُصل أحد طلابه بسبب تهجمه على سياسات عبد السلام عارف، فنُقل إلى جامع لم يكتمل بناؤه فطلُب منه أن يكمل تشييده ليخطب فيه لتعجيزه وتعطيل آلية جهاده ضد الظلم والطغيان.
وبفترة قياسية وبجهود الخيرين استطاع إنجاز بناء جامع عادلة خاتون قرب جسر الصرافية في جانب الرصافة. وعند افتتاح الجامع وهو على المنبر يلقي خطبته فوجئ بدخول عبد السلام عارف رئيس الجمهورية آنذاك، ولم يكد يأخذ عارف مكانه حتى بدأ الشيخ البدري بتوجيه كلماته المشهورة إلى عارف دون خوف أو تردد:
«يا عبد السلام طبق الإسلام. إن تقربت من الإسلام باعاً تقربنا إليك ذراعاً. يا عبد السلام القومية لا تصلح لنا، وحده الإسلام ملاذنا».
وعند الانتهاء من خطبته جلس جانباً ولم يلتفت إلى الرئيس العراقي، فقام الأخير وصافحه قائلاً: «أنا أشكرك على هذه الجرأة»، ليُنقل بعد هذه المجابهة إلى مسجد الخلفاء المغلق بين العامين (١٩٦٤ – ١٩٦٦) وذلك لشل نشاطه.
وبعد ضغوط الشارع الإسلامي وتهديده بإقامة الصلاة وإلقاء الخطبة في شارع الجمهورية أمام الجامع المغلق «جامع الخلفاء»، اضطرت السلطات أن تنقله إلى جامع إسكان غربي بغداد كإمام فقط ومنعته من ممارسة دوره كخطيب.
وفي عهد الرئيس عبد الرحمن عارف الذي خلف أخاه بعد مصرعه في تحطم طائرته، قاد مظاهرة جماهيرية للاحتجاج على محاضرة (لنديم البيطار) في إحدى قاعات منطقة المنصور في بغداد والذي هرب من الباب الخلفي للقاعة ومعه من أتى به دون أن يكمل محاضرته، ليوقف البدري على إثر ذلك أياماً عدة.
وبعد نكسة حزيران العام ١٩٦٧ التحق الشيخ البدري بالمقاومة الفلسطينية دون أن يعلم عائلته بل وضع وصيته عند زميله الدكتور وجيه زين العابدين وأوصاه تسليمها إلى أهله عند استشهاده. ولكن المجاهدين في فلسطين طلبوا منه العودة إلى العراق وحملوه أمانة القضية الفلسطينية لنشرها في بلده وفي بلدان ودول إسلامية وعربية. وخلال أيام معدودة استطاع أن يؤلف وفداً من علماء المسلمين يضم السنة والشيعة وبعض الشخصيات الثقافية والشعبية للطواف حول العالم الإسلامي من أجل استنفار المسلمين ونقل القضية الفلسطينية إلى النطاق الإسلامي تحت عنوان: «من أجل فلسطين رحلة الوفد الإسلامي العراقي» من ٢٧ حزيران (يونيو) وحتى ٨ آب (أغسطس) ١٩٦٧، ضمت الدكتور صالح السامرائي والمحامي داود العطار والدكتور عدنان البكاء من النجف الأشرف والمهندس عبد الغني شندالة والشيخ عبد العزيز البدري والسيد صالح سري والمحامي محمد الألوسي، في رحلة إعلامية إسلامية شملت زيارة إندونيسيا وماليزيا والهند وباكستان وأفغانستان وإيران وتركيا، لإيصال القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني واحتلال الأرض قسراً وظلماً في سيناء والجولان والضفة الغربية.
ظل الشيخ البدري يقارع حكام الجور بالكلمة، وتضاعف بعد مجيء نظام البكر - صدام إلى الحكم في العراق عام ١٩٦٨، وكان دائماً يبدأ خطبته بمقدمة اشتهر بها: «أعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات حكامنا»، ويختم خطبته بـ: «اللهم ارزقنا بدولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا من الدعاة إلى طاعتك والاقتداء إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة وشهادة في سبيلك».
مواقفه البطولية وجرأته في مجابهة نظام البعث الفاشي لم ترق للمجرمين، فوضعوه تحت المراقبة وأرسل صدام حسين أفراد عصابته لمراقبة منزل الشهيد وتحركاته، وكان صدام حينها يرأس دائرة العلاقات مع مدير الأمن ناظم كزار في قصر النهاية، وهو واحد من أكثر الأماكن التي شهدت أشكالاً من التعذيب والتنكيل بأحرار وشخصيات وطنية في العراق بعد مجيء نظام البكر - صدام.
وفي مساء أحد الأيام وعندما عاد الشيخ الشهيد من المسجد بعد الفراغ من أداء صلاة العشاء بسيارة صديقه عبد الغني شندالة، انقض عليه وعلى زميله أزلام عصابة صدام الذين كانوا متربصين بهما في الأزقة والشوارع المحيطة بدار الشهيد واعتقلوهما، وبعد منتصف الليلة نفسها حضروا مرة أخرى فقاموا بتفتيش الدار بشكل عشوائي وهمجي، وصادروا كل أشرطة خطب الجمعة كما صادروا كتابين مخطوطين كان قد أكتمل تأليفهما للمطبعة هما: (كتاب الله الخالد) و(الإسلام حرب على الاشتراكية والرأسمالية).
تم نقل الشهيد إلى إحدى زنزانات قصر النهاية (السيئ الصيت)، إذ تم استجوابه من قبل صدام وناظم كزار. تعرض الشهيد لشتى صنوف التعذيب الوحشي وكان رحمه الله شجاعاً وصبوراً، فقد روى أحد الشهود الذين كانوا معه في الزنزانة قائلاً: «لم أر في حياتي رجلاً بشجاعته داخل المعتقل وهو يعذب ويفقد الوعي ثم يعود إلى رشده فيعذب مرة أخرى وهو يكرر ذكر الله ثم يفقد الوعي تارة أخرى، ويرسل إلى مستشفى الرشيد العسكري لإيقاظه من غيبوبته ثم يعاد إلى التعذيب وهكذا وهو يذكر اسم الله ويقرأ آيات من الذكر الحكيم ويندمج بأدعية مستجابة لنيل الشهادة فينالها في ١٩٦٩/٦/٢٦ وهو تحت التعذيب»، ونُقل إلى مستشفى الرشيد العسكري إذ تم تغسيله وتكفينه لتغطية جريمتهم ووضعوه في تابوت ورموا التابوت أمام داره وهرب الأفراد الذين أتوا به خوفاً من أن ينالهم غضب الناس المحبين للشهيد وانتقامهم.
وقد زوّر المجرمون شهادة الوفاة زاعمين أن سبب الوفاة نتيجة لهبوط عمل الكليتين وتوقف الدورة الدموية، وذلك خوفاً من الهيجان الجماهيري نظراً لما كان يملكه الشهيد من شعبية وجماهيرية في الشارع العراقي. وكانت النية تتجه في دفنه قرب والده في مقبرة سامراء وكان شيوخ عشيرته في استقباله، فخشي النظام من الانتفاضة الجماهيرية في سامراء التي كانت تغلي من هول الجريمة.
الصفحة 31 - تكملة سيرة الشهيد البدري
فقدان عالم إسلامي مجاهد بهذه الطريقة البشعة. إلا أن قوات الأمن كانت قد طوقت المدينة والشوارع المحيطة في بغداد فمنعوا خروج النعش إلى سامراء، فدفن قرب شيخه أمجد الزهاوي في مقبرة أبي حنيفة النعمان في الأعظمية في بغداد بعد أن كشفت جثة الشهيد أمام المشيعين من قبل أخيه الداعية محمد توفيق البدري في ساحة الإمام أبو حنيفة وعند القبر ليرى الجميع آثار التعذيب والدماء تنزف منه ليطلع المشيعون على وحشية النظام وهم يرددون: «الله أكبر والموت للكفرة» الأمر الذي أدى إلى زج العديد منهم في السجون.
يذكر نجله محمد بأن أحد أفراد الأمن قد أخبره في العام 2000 عندما كان يبحث ضمن فريق مشترك من الأمن والمخابرات العامة والآثار عن قبر أحد أبناء المتوكل في المقبرة الأعظمية وبجوار قبر الشهيد البدري، أنهم عندما حفروا للبحث فتح قبر الشهيد وانكشف الغطاء عن جثته الطاهرة فضغط على جسده فرآه طرياً وكأنه دفن تواً بعد 31 عاماً من استشهاده ودفنه، فدخل الرعب والخوف في قلوبهم فأعادوا التراب إلى مكانه وفروا هاربين.
ترك الشهيد البدري عدداً من الكتب والمؤلفات في موضوعة الإسلام السياسي منها: الإسلام بين العلماء والحكام، حكم الإسلام في الاشتراكية، الإسلام حرب على الاشتراكية والرأسمالية، الإسلام ضامن للحاجات الأساسية لكل فرد، وكتاب الله الخالد القرآن الكريم، والعشرات من الخطب والمواعظ الإسلامية من تلك التي كانت متداولة بين الناس قبل أن يصادر النظام مكتبته الصوتية.
كان الشهيد البدري من العلماء الموحدين والمقربين بين الطوائف الإسلامية وتربطه بعلماء الشيعة علاقات وطيدة في سعي منه لتقريب وجهات النظر فيما يتعلق بين الشيعة والسنة. ففي بغداد كانت تربطه صلات صداقة ومحبة وجهاد بينه وبين الشيخ محمد مهدي الخالسي، وكذلك الشيخ علي الصغير إمام جامع براثا في بغداد وعلماء آخرين في المدن الأخرى، وكانت تربطه علاقة حب وتقدير مع المرجع الديني المرحوم السيد محسن الحكيم والشهيد السيد مهدي الحكيم، والشهيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم والسيد مصطفى جمال الدين والدكتور عدنان البكاء وشخصيات شيعية أخرى في النجف وكربلاء المقدستين.
سيرة الشهيد
سيتم إضافة سيرة الشهيد قريباً.