رجوع رحيــــــــــــــــــــــــل زنابق
تاريخ تاريخ النشر 03/10/2012
مكي محمد علي
انفتحتْ ذات صباحٍ مشؤوم ـ أحدى بوابات سجن ( أبو غريب) لتفرج عن سبعة جثامين لصبية تمت تصفيتهم بطريقة لا تصدق .. كان الشاهد الوحيد غبش الفجر ، فقد شهد تصفية زنابق بعد في أول تفتّحها ..
ليس بإمكانك أن تتصور نفسك مرميا ولسنوات خلف القضبان وبجرم لم ترتكبه ثم تُمنح حريتك بلحظة واحدة ..
حزم الصبية البالغ عددهم سبعة عشر صبيا ، بعد أن أنهوا محكومياتهم ، والتي تراوحت بين السنتين والثلاث سنوات ، دون أن يعرفوا قضيتهم التي حوكموا عليها .. كان ذلك في ثمانينيات القرن المنصرم .. حيث كانت زنزانات سجن (ابو غريب) تضج بنزلائها..
انفتحت الأبواب ذات ظهيرة عن الصبية ذاتهم ، وكنا ـ كعادتنا ـ نظهر ابتساماتنا للوافدين الجدد .. ابتساماتنا التي تخفي وراءها ركاما من الأوجاع المتأتية من شعورنا باستمرار ماكنة الاعتقال التي ظلت فاغرة أفواهها لابتلاع ما يصلها منها بشراهة فريدة ..
آخر ما ابتلع السجن ثلاثة صبية كانت عيونهم تتطلع الى القضبان الحديدية التي سدتها وجوهنا وهياكلنا العظمية ، ملوحين لهم بأيدينا كي نخفف عنهم الرهبة التي ارتسمت على وجوههم
التي توزعت بابتسامات مخطوفة..
كان نصيب الزنزانة رقم (3) صبيا واحدا ، ولزنزانتنا رقم (5) صبيان لم يبلغا الثانية عشر ، واللذان حكما في محكمة الثورة بتهمة توزيع المنشورات المعادية للنظام ، وقد حكما بالسجن لمدة ثلاث سنوات في سجن الأحداث ، ثم أحيلا الى الأقسام المغلقة في (ابو غريب)بدلا من سجن الأحداث ، وهي واحدة من مئات المخالفات القانونية التي لم تعرف القانون لحظة ، فشملوا بكل ما شمل به سجناء الأقسام المغلقة ، من الحرمان من المواجهة ، فظلوا دون أن يعرف عنهم ذووهم أي شئ ..
وتصرّمت السنتان بعد عناء مرير في زنزانات سعة 12م2 بأعداد تجاوزت الأربعين نزيلا ..
وحان موعد الافراج عنهم بعد إنهاء محكومياتهم ..
ستة عشر صبياً .. كل أبحر بزورق أحلامه الى حيث يرغب ، وكأنهم يسابقون الزمن لتحقيقها ريثما يغادر السجن ، إلا أن خيوط الحلم كانت تستسلم ـ دون أن يعلمواـ لأصابع تحترف إجراما فوق العادة .. وطّنَ المحترف المجرم (نقيب غالب) مسؤول الأقسام الخاصة آنذاك .. وطن نفسه للعب بهذه الخيوط ، فوجد في الصبية الستة عشر ، تحقيقَ حلمه المتعطش للصفقات المادية والمتاجرة بالرقاب البريئة ..
ثمة محكومون بالإعدام على قضايا غير سياسية ، تمكن ذووهم من رصد مبالغ كفيلة بتخليصهم لا من حكم الإعدام فحسب ، بل ومن السجن ، وفي لمحة بصر ..
لم يكن من النقيب غالب ولترويج صفقته المشبوهة ، سوى أن يحبك خيوط جريمته فيفرج عن المحكومين بالإعدام باعتبارهم الصبية الذين أنهوا محكومياتهم ، فيما ينفذ حكم الإعدام بالصبية باعتبارهم المحكومين بهذا الحكم سلفا ..
ربما لم يعلم الذين نجوا من الموت ، أنهم يعيشون بحياة غيرهم .. تلك الحياة التي أغتصبتها لهم أصابع آثمة ..
مثلما لم يعرف الذين تجرعوا كأس موتٍ ليس لهم ، وبوقت مبكر جدا .. كأس موت منْ كانوا يتجرعون..!!؟؟