رجوع  

الحسين اليوم

صورةتاريخ تاريخ النشر 17/07/2012
مؤيد السعدي

يعتقد البعض منا نحن العراقيون ان أشد ما نحتاج اليه اليوم في محنتنا هو المال . ويظن بعضنا ان الثقافة هي أحسن الوسائل التي توصلنا الى شاطىء النجاة . وفينا من يدعي ان صداقة امريكا الثمينة هي الطريق المستقيم الوحيد المؤدي بنا الى الحرية والديمقراطية...
اننا لا ننكر أهمية المال والعلم . كما أننا لا نجهل ثمن الصداقة الامريكية . ولكننا نعتقد أن المال والعلم وصداقة امريكا لا تكفي ولا تفي – بل أنها تضر وتخرب – من غير الاخلاص !
نعم ! نحتاج الى مال كثير ، والى علم مفيد – وان أردتم – على صداقة وتحالف أيضا . ولكن قبل ذلك كله وقبل كل شيء نحتاج الى الاخلاص.
إن الذي رمانا في هذه الحفرة الملعونة وصيّرنا شُعباً كالكرة تتقاذفها أقدام المحتلين ، والجلادين ممن حكموا بالحديد والنار، لم يكن فقدان السلاح أو قلة المال أو انتشار الجهل أو الخوف . بل كان ولم يزل السبب الاعظم لذلك فقدان الاخلاص وضعف الايمان ويستطيع الانسان- إن كان له ايمان صلب في قلبه- أن يكون قويا من غير سلاح ، غنيا من غير مال وفطنا من غير علم ، وآمناً من غير حلف. ولكن اذا جردنا منه الاعتماد على النفس ، ونزعنا منه الايمان، أصبح في الحال ذليلا ضعيفا لا يحميه السلاح ، ولا يرقيه المال، ولا يهديه العلم ، ولا ينجيه التحالف. فالاخلاص المبني على قوة الاخلاق وشرف النفس هو الاول والآخر في حياة المرء ولنا في نفس البطل العظيم (الحسين) عليه السلام أحسن مثال لهذا الاخلاص الكامل ، ولنا في ذلك ، درس بليغ وعبرة كبيرة . ان المال في الكوفة مبذول ، والانفس أكثر منه ابتذالا، والعلم لا بأس به وصداقة آل معاوية موجودة منذ سنين . غير ان كل ذلك لم ينفع الكوفة ولم ينقذها من بليتها حتى بعث الله اليها رسول الاخلاص في شخص الحسين(عليه السلام) فكان لها خير نهضة وقيام !
نزل الحسين الى ميدان الجهاد متسلحا بالاخلاص ، ومعتمدا على نفسه وال بيته الاطهار ، ومعتصما بالحق فصارع أقوى جيش في ذلك العصر ، وأكثره بطشا فلم ترهبه السيوف ، ولم يغره المال ولم يخدعه العلم الفارغ والسياسة الملعونه ليزيد واعوانه ، ولم يصده عن غايته الكبرى شيء في العالم . وبعد ذلك اليوم المحمدي يخرج الحسين مزكى بالدم منتصرا مظفرا ، يخضع له ارباب العلم ، ويخر له أرباب السيوف سُجدا ... أما هو فلم يزل كما هو : بسيطا متواضعا، شامخا حاضرا، تفوح من عطر اخلاصه انسام الايمان والمبادىء .
فالذي نحتاج اليه أشد الاحتياج لقضيتنا نحن العراقيون هو ذرة من اخلاص الحسين(عليه السلام) وجزء من ايمانه الوطني والديني !أقول (ذرة وجزء) لان القضية العراقية لا تحتاج وهي بسيطة بالنسبة لقضية الحسين ... كل تلك التضحيات ، والى تلك المعجزات !...
ولكن أنى تأتينا تلك الذرة وذلك الجزء ونحن راكضون يمينا وشمالا نبحث عما يرضي أهواءنا ، ويشبع بطوننا، ويملأ جيوبنا وعيوننا ، تاركين الغد وأبناءه ، وما فيه الى جهنم وبئس المصير !
كيف ينمو الايمان في قلوبنا ، ونحن لا نعتمد على انفسنا ولا نخدم مبادئنا ولا نهتم بأقوالنا ، بل نفعل كل يوم ما لا نقول ، ونقول كل ساعة ما لا نفعل ؟
كيف تصان الاخلاق في محيط فسدت فيه اخلاق الكثيرين من رجاله وزعمائه ؟ كيف ننقذ بلادا افسده أبناؤه ، فدمره الاحتلال؟
على أننا لا ندعي ان شعلة الاخلاص انطفأت ، أو ان بذرة الايمان ماتت بالمرة . ولكننا على كل حال في مشكلة عظيمة يجب ان تعالج بكل سرعة واتقان ، حتى ننقذ تلك الشعلة الضعيفة من الانطفاء ، وتلك البذرةالنحيفة من الهلاك.
أما الان فعلينا كلنا ان نولي وجوهنا شطر كربلاء لنعلم ما معنى المبادئ والاخلاص في العهد ، ومعنى الرجولة هاتفين: (الاخلاص قبل كل شيء !الاخلاص الحقيقي العملي).