عندما تتجرد النزاهة من العدل

تاريخ تاريخ النشر 20/02/2011
عندما تتجرد النزاهة من العدل
الحلقة الأولى
تناقلت الفضائيات خبرا مفاده أن مديرية شهداء ذي قار من بين الدوائر الأكبر في تعاطي الرشوة في العراق، وعلى الطريقة الصدامية المقيتة كاد أن يكون هذا الخبر بادية رعب للمفسدين لما ينتظرهم من عقاب لكن الأمر لا يبدو مهما ولا يعدو كونه لعبة سياسية مما تشهده الساحة العراقية، لأنه مجرد تشهير لا يستند إلى بينة او دليل شرعي ولو كان كذلك لكنت أول المؤيدين له الداعين إليه لأنه يساعدنا في اجتثاث المرتشين إلى الأبد ولأنه يرسي قواعد العدل في بلدنا الحبيب.. ويخلصنا من هذا اللغط الذي لا يخدم إلا البعثيين وأعداء العراق الديمقراطي.
ومع هذا ففي الأمر الم ولوعة؛ فلو تبادر لمن أسقطته السيدة النزاهة على الفضاء وشهرت به على الفضائيات وهو مظلوم.. سؤال إلى مدير (النزاهة) وموظفيها لعله يحرك فيهم شيمه الإنصاف على الأقل ولو ان الناس يطمعون منهم بالعدل، باعتبارهم جهة مهمتها (النزاهة) التي تتلازم ذاتيا مع العدل. إذ لا نزاهة بدون عدل مطقا.. وكيف يكون شكل (النزاهة) بلا عدل؟؟؟؟؟
السؤال ما هو شعورك كمدير لدائرة وهي دائرة (النزاهة) طبعا، عندما تسمع وترى فجأة وعلى الفضائيات أن مديريتك من بين المديريات الافسد بالرشوة في العراق؟
جواب هذا السؤال ضروري جدا بالنسبة لكل من شهر به من قبل النزاهة باعتبارها القاضـــــــي الذي صدر منه الحكـــــــم بالتسقيط والتشهير دون بينه ودون معيار ودون تشخيص دقيق يليق بذوي الإنصاف والمروءة .
يا سيادة (النزاهة) المتسلطة : هذهِ الضرورة في الإجابة تأخذ أهميتها عندي شخصيا من الأسباب التالية :
1- سيدي( النزاهة) المحترم؛ قبل أن تسوء عاقبة مثلي على أيديكم ليشهّر به كمدير لمؤسسة تتعاطى الرشــــوة بأعلى المستويات في العراق، كنت مربيا للأجيال لمدة أربعين سنة ولا اعتقد احد من طلابي يصدقكم باني اكبر مرتشي في العراق حسب تشهيركم المعلن في الفضائيات من قبلكم، لأني تاريخ معاصر قراه جيلان من أبناء الناصرية بما فيهم المسئولون وعلى كل المستويات.. واعتقد ان لا احد يصدق استبيانكم ويكذب التاريخ الماثل الذي عاشه، فانتم كناطح صخرة ليوهنها....
ومع هذا فهو امر مؤلم ان يأتي في آخر العمر أناس لا نعرف كيف وصلوا ليكونوا أمناء على النزاهة في العراق ومن خلال آلية مشبوهة ليطعنوا في ناس أبرياء شرفاء معرفون طوال عمرهم ولأسباب خفية الله وحده يعلم بخبثها.
2-المصيبة الأكبر إلا وهـــي أني اكتب في القيم الإسلامية والإنسانية وانظر في الفضائل ولي كتب عديدة في ذلك واحضر المـــؤتمرات الدولية الإنسانية والعلمية. وأول كتاب صدر لي عام 1973 تحت إشراف المفكر الشهيد السعيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه)، وكتب كثيرة أخرى وأخيرا كتبت سلسلة على صفحات النت (النازيون والفاشيون والبعثيون) الى الحلقة الثامنة؛ اوثق فيها جرائم البعث - واعتقد هي السبب في هذا التشهير.. اقول: تصــــور يا سيادة (النزاهة) أي معنى لإسقاطكم الرشوة بأعلى المستويات علـــى مديريتنا .. وحتى بغض النظر عني وعن أمثالي؛ أريد فقط أن تشعر(سيدي النزيه) الى أي حد بلغ بكم الشطط عن العدل وعدم الإنصاف ان تشهروا وتسقطــوا بالناس دون معيار او دليل او بّينه كما هي شرائع السماوات وشرائع الأرض؟!! على الأقل لتكون لكم حجة علينا نحن المتهمون!!!!
هل تعلمون يا سادة ( النزاهة) أني أسكــــن في بيت متجاوز على أرضه منحه لي احد طلابي عندما كان نائبا للمحافظ وهو يعلم أن أموالي وسيارتي وبيتي قد صادرها النظام المقبور .. و لحد الآن أعيش الكفاف .. والله العظيم ان حال طلاب طلابي أفضل بكثير منــــــــي؟! لا اقصد مطلقا ان يشفق علي احد لاني انا الذي اخترت هذا، ولو كنت ممن تظنون لكان حالي لا تطاله نزاهتكــــم بالتشهير لان المفسدين المرتشين يتنعمون اليوم في ظل آليتكم الفاشلة لنشر النزاهة فلا تطالهم (النزاهة)؟
3- وبصدد آليتكم الفاشلة لتحقيق النزاهة يا سادة النزاهة!..هل يصح لمـديرية (النزاهة) العادلة المنصفة التي تنشد نشر (النزاهة) والعــــــدل؛ أن تستخدم التشهير آلية لإيقاف الـــرشوة والفســــــاد؟
أما كان الأجدر ان نتعاون معا لضبط المرتشي لو وجد متلبسا لتخليص المجتمع من شره دون هذا الضجيج الذي لا يخدم إلا أعداء العراق.
أما أذا كنتم متأكدين من آليتكم غير فاشلة وكنتم متأكدين من وجود المرتشي فماذا تنتظرون به؟ أليس من العـــــدل و(النزاهة) ان تخلصوا المجتمع من شره بإحالته إلى القضاء فورا لينال جزاءه العادل ولتخلصوا المجتمع من شره ؟!
4- وبغض النظر عن كل ما سبق وكأمر واقع.. نعم هكذا اذا كان وتسلطتم علــى الناس بقدرة قادر وصرتم من أصحاب الحـــق في إلقاء التهم جزافا على الظن والشبهة والاستبيان!! فهــل نسيتم ان الله تعالى القادر المقتدر قادر عليكم مثلما انتم قادرون علينا ؟ فاتقوا الله الذي لابد اليه ترجعون.
ان لدي نصيحة لكم وحق المسلم على المسلم النصيحة: ان هناك خطر داهم ينتظركم يا سادة (النزاهة): اذا كنتم تظنون ان القاعدة التي تعتمدونها في التشهير بالمذنب وغير المذنب؛ هي مجرد الظن والاستبيان منصفه ؟ فإن قاعدة الإلزام ، ستدينكم لأنها آليتكم ولن تفلتوا منها والبادئ اظلم.
نعم : (الاستبيان لإلقاء التهم جزافا) إنها سبيلكم وآليتكم ولأنه عملكم الذي تعتاشون منه وتطعمون منه عيالكم فلا تلوموا إلا أنفسكم . والله تعالى يقول :
(لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)
صدق الله العلي العظيم
ونحن ظلمنا من قبلكم دون بينة ودون دليل منطقي ودون سابق إنذار إلا أن تسلطتم علينا لا ندري كيف؟ وحقدتم علينا دون سبب؟، وشهرتم بنا دون دليل، وأسقطتمونا دون حجة ؟؟؟
وأذكركم فوق هذا بقول الحكيم الشاعر :
لا تظلمنَ إذا ما كنت مقتدرا
فالظلم آخـــره يأتيك بالندم
تنام عينك والمظلوم منتبه
يدعـو عليك وعين الله لم تنم.
(الحلقة الثانية)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أعداء الله أجمعين.
الفساد بكل أشكاله( الأخلاقي والمالي والرشوة والمحسوبية وغياب المعايير الضابطة في التعامل مع الناس) كلها أمراض اجتماعية، تدمر المجتمع حيث ما تحل وفي أي بلد من البلدان في العالم.
والعلاج لا يكمن ولا يصح على الإطلاق بمجرد تعيين أشخاص دون معيار ضابط من ذات المجتمع المبتلي بالفساد بافتراض أنهم سيقضون على الفساد حتى إذا سمينا هيئتهم (النزاهة)، وذلك لسبب منطقي بسيط جدا هو ان اختيار اؤلئك الأشخاص سوف يتم من خلال ما هو سائد في المجتمع: المحسوبية والرشوة وغياب المعايير المبتلي بها المجتمع وهذا ما نراه اليوم في مديريات النزاهة وفي آلياتها المتبعة في تسقيط من يشاءون والتشهير بالناس لمجرد استبيان قدمه مجهول، فلا دليل ولا بينة ولا شيء مما تتخذه شرائع السماء او شرائع الأرض!!!!!!
ولذا استغلت هذه الحال لتوظيف لجان النزاهة ومديرياتها وهيئاتها لمهام الكسب السياسي، وبلغ الحد الى التشهير بالخصوم السياسيين وتسقطيهم والتهاتر من على شاشات الفضائيات وعلى سمع وبصر كل العالم وكما علم الجميع، خصوصا قبل الانتخابات وأبان الدعاية الانتخابية للبرلمان في بداية العام الماضي.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز؛ إصلاحا للنفوس وهداية للمجتمعات ومن اجل النزاهة والطهر في سورة الرعد:
(...له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال) [1].
ان محاربة الفساد تبدأ من النفس وفي محاولة تغييرها جذريا، بالانقلاب على الواقع الفاسد الذي تحياه والحالة المرضية التي تعاني منها، فالفساد مرض نفسي يصيب أفراد المجتمع في أحوال غياب الروادع، ومنها رادع الضمير ورادع العقيدة الصحيحة:
أولا- عندما يغيب الضمير، يمسخ الإنسان من إنسانيته ويصير سبعا ضاريا، تستولي عليه غرائزه وتوجهه الى حيث تشبع، دون الاعتبار بأي قيمة إنسانية او فضيلة اجتماعية، ولقد رأينا ان هناك شعوبا في العالم عشنا بينها، لا تستوعبها عقائد السماء الصحيحة لكنهم يعيشون صحوة الضمير، ولذا فمظاهر الفساد محصورة في محالات معينة دون الفساد المالي والرشوة المحسوبية.
وثانيا- عندما تخلو النفوس من عقيدة صالحة تستوعبها وتطهرها وتجعل الإنسان يأنف من تعاطي الفساد بكل أشكاله، ويأنف أن يستغل سلطته في تسقيط الناس حتى ولو كانوا خصوما سياسيين، هنا يكون الإنسان منصفا من حيث يعلم او لا يعلم ، لان العقيدة الصحيحة تمنع عليه استغلال أخيه الإنسان على كل صعيد، وتغلب فيه الرقيب الذاتي الذي يشعره دوما بأنه سائرا إلى لقاء الحكم العدل الحسيب على كل شيء شاء ام آبى.
ولذا فان أمر الله تعالى، البادي في الحقيقة القرآنية( لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) يمثل معادلة تساوي بين التغيير الظاهر في المجتمع النزيه الطاهر والتغير الباطن وتربط بينهما في النفوس المؤمنة باللقاء الحتمي للحسيب الرقيب الذي يحصي كل ما يصدر عن الإنسان ويحاسبه عليه.
يبقى كل جهد خارج هذه المعادلة وغياب الضمير لإحقاق النزاهة جهد خارج الحق بعيدا عن العدل والإنصاف، لأنه جهد اللمة الاجتماعية التي تغيب فيها المعايير لذا رأينا ما يسمونه بالنزاهة كسلطة تستغل من خلال الكيد لإغراض شخصية فتكون بذلك عاملا حاسما من عوامل الفساد في البلد من أعلى المستويات.. فأين النزاهة المفهوم والمصداق إذن من سلطة النزاهة التي تباشرنا يوميا على الفضائيات وبالاستناد الى استبيانات من مجهولين لتقرر اين يكمن الفساد وتعطيه درجات!!!!
وفي الوقت الذي لا نجد لهذ التشهير او التسقيط الذي يمارسه سادة النزاهة جدوى في إيقاف الفساد ولا يردع المفسد ، نجده يزيد في تصديق سيكولوجي جمعي في مجتمعنا لاستحكام الفساد واستشراؤه، لأنها تعبر عن حالة عجز فعلي من أعلى مستويات التغير المفترض( النزاهة).
وعلى الفرض جدلا؛ ان النزاهة قوية وفاعلة ورادعة للفساد وتقضي عليه وعلى الرشوة ، فان من دواعي العدالة في القانون الوضعي ان لا تشهر بالمتهم، بل حتى بالمجرم، كي تمنحه فرصة التوبة والعودة السوية إلى المجتمع إذا رغب في ذلك.. وفي الشرائع السماوية فالتشهير لا يجوز بحال من الأحوال، فان هناك إنصاف للمتهم، بل حتى المحدود بحد الله، بتوجه كبير في هذا المجال. يقول الإمام علي عليه السلام لمن يتولى القضاء:
(لأن تخطيء في العفو خير من أن تخطيء في العقوبة). خوفا من ان يحيف الحاكم على المحكوم، ولكي يكون هناك قدر متيقن من العدل في قرارات القضاء.
فأين انتم يا سادة النزاهة من الإنصاف فضلا عن العدل؟ لا جدوى في ردع المفسد في تقاريركم، ثم تشهرون بالناس دون بينة!!!!
بقي ان ننصف سادة النزاهة وبطريقتهم وآليات عملهم التي يعتبرونها عادلة في توزيع التهم، من باب قاعدة الإلزام؛ فنستخدم الاستبيان في تقييمهم وتقويمهم ذاتيا وفعليا ثم ننشر ذلك إلى وسائل الإعلام. ليعلم شعبنا الكريم كيف تسير الأمور في قيادتهم التغيرية إلى النزاهة، ولماذا يستحكم الفساد في بلدنا الحبيب؟ ولنكون أكثر إنصافا سوف ننشر تفاصيل كل استبيان بطريقة أكاديمية مع الوثائق وليس عشوائية كما هي طريقتهم وآليتهم.
محسن وهيب عبد